السلام الهجومي

كتبت تلك الصفحات للمرة الأولي على الآلة الكاتبة في أكتوبر 1982 وتداولتها بين بعض الأصدقاء الفلسطينيين والمصريين؛ وبعثت بنسخة منها إلى القيادة العامة للقوات المصرية المسلحة؛ ثم نشرتها بمكتبة مدبولي عام 1989 ضمن كتاب بعنوان الإسرائيليون من هم؟ وأهديته إلي ذكري الشهيدة المصرية الممرضة انتصار إسماعيل التي فاضت روحها برصاص الإسرائيليين في صباح الجمعة 17 سبتمبر 1982 بمستشفى عكا ببيروت حين تطوعت بالخروج لجلب الماء للمصابين بالمستشفى خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
ورغم مضي سنوات طوال ومع تصاعد الحديث عن معاهدة السلام وما يتردد عن احتمال لحاق دول عربية جديدة بتلك المعاهدة وجدت مناسبا العودة لطرح تلك الكلمات للتاريخ والذكري التي قد تنفع.

السلام الهجومي

محاولات لتزييف الوعي العربي

إسرائيل هي قدر الأمة العربية، ونحن قدرها، أو علينا أن نسعى لكي نكون كذلك• ولا مهرب لفرد أو لشعب من ملاقاة قدره• قد يلاقيه مستسلما راضيا مرضيا لو كان القدر إلهيا محتوما• وقد يلاقى شعب قدره الدنيوي مستسلما منهزماً خاضعاً، وقد يلاقيه مندفعاً منبتاً أهوج، وقد يلاقيه متحدياً مستبسلاً مقاوماً• وقد يلاقيه أيضا أو يلتقي به متجاهلا إياه• مغمضا عينيه• منغلقا على ذاته، مستسلماً لخيالاته الوردية سائراً إلى حتفه بظلفه• ولكنه ملاق قدره لا محالة•

والقدر الإسرائيلي الذى نتحدث عنه شاءته لنا قوى عاتية كثيرة، وما زالت تلك القوى حريصة على ما شاءته لنا، وستظل حريصة عليه ما لم تنضب المنابع المادية لتلك المشيئة في منطقتنا العربية• وهو ما لا يبدو وشيكاً على أية حال• ولسنا في معرض الحديث عن تلك القوى وقصتها معنا ومع منطقتنا فهو أمر يتجاوز كثيراً حدود سطور قليلة كهذه وكل ما نود أن نخلص إليه في هذا المقام هو أن تلك القوى العاتية قد حرصت -ضمن ما حرصت عليه لتحقيق أهدافها- على تضليل العقل العربي وتزييف صورة القدر الإسرائيلي لديه بحيث تطيش محاولاتنا للتعامل معه ومواجهته• وللحقيقة فإن الكثيرين منا قد ابتلعوا الطعم، وساهموا مقتنعين متحمسين في ترويج صورة أو أخرى من تلك الصور الزائفة للقدر الإسرائيلي ولعل ما أغراهم بذلك أنها صورة أحكم أصحابها صياغتها• وتنوعت أشكالها وتعددت بحيث يمكن أن تجد هوى ورضي، وقناعة واطمئنانا، بل ويمكن حتى أن تستثير في العقل العربي انفعالا بها، وحماسا لها، أيا كان الانتماء الفكري لصاحب هذا العقل•

فالعربي الليبرالي قد تستهويه صورة “إسرائيل الديمقراطية” التي تسمح لأبنائها بحرية التظاهر والإضراب والعربي الاشتراكي قد تجتذبه صورة الكيبوتز الإسرائيلي وتلك العلاقات التاريخية القائمة بين أحزاب إسرائيلية وأحزاب اشتراكية في أوروبا• والعربي المتدين-أيا كانت ديانته-قد يرى في إسرائيل تجسيدا لفكرة الدولة الدينية، وإمكانية قيامها من حيث المبدأ في العصر الحديث. والعربي الأكاديمي قد يرى فيها – أي في صورة إسرائيل- مثالا للتقدم العلمي والتكنولوجي• وحتى العربي الرومانسي الحالم، لم ينسه صناع الصور الزائفة فالإسرائيليون هم الأبناء المساكين للهولوكوست النازي الرهيب الذين لاقوا عذاباً لم يلاقه بشر غيرهم، وخرجوا من أتون المحرقة النازية يلتمسون وطنا يؤويهم دون أن يفقدوا قدرتهم على التعمير والإبداع، بل وحتى القتال أيضا• أما العربي الذى لم يجد ضالته في أي من هذه الصور فقد بقيت له في الجعبة صورتان أخيرتان عليه أن ينتقى منهما ما يناسب ذوقه• له أن يختار صورة إسرائيل الضعيفة الهزيلة، الغارقة في الطوفان العربي، والتي لابد وأن تندثر يوما بحكم التاريخ وبفعل تناقضاتها الداخلية، ودون حاجة إلى جهده أو جهد غيره، فإذا لم تجد هذه الصورة أيضا هوى في نفسه فلينظر إذن إلى صورة إسرائيل الجبارة ذات القوة التي لا تقهر، ذات القنابل الذرية والتكنولوجيا المدمرة، والقدرة غير المحدودة على بلوغ ما تريد•

ويتوقع صانعو القدر الإسرائيلي ألا يبقى أمام العقل العربي وقد انهالت عليه كل تلك الصور، إلا خيارات محدودة: إما أن يؤخذ بالنموذج الإسرائيلي الوردي، منبهراً بما يحمله من ألوان التقدم والحضارة مستنزفاً قواه الذاتية في محاولة الركض وراءه والسعي إلى محاكاته منشغلا بذلك عن مواجهته والتصدي له• وإما أن يتعاطف العقل العربي مع النموذج الإسرائيلي المأساوي فتستغرقه محاولات التبرير والتفسير منشغلا بذلك أيضا عن أية مواجهة أو تصدى• وإما أن يطمئن للنموذج الإسرائيلي المتهالك • موفراً جهده في مواجهته• صارفاً هذا الجهد في غير ذلك من الأوجه تاركاً للتاريخ وحده مهمة التصدي والحسم• وإما أن يفزعه النموذج الإسرائيلي العنيف فزعا يكاد أن يهلكه فينكفئ على ذاته عاكفا على نقدها بلا هوادة • متحسرا على تاريخه الزاهر• منصباً بلعناته على يهود الأرض جميعاً• حالماً بمعركة فاصلة ستقع يوما لا محالة•

ولا معنى زيف تلك الصور أنها خلو من الحقيقة تماما، فصناعها ليسوا بهذه السذاجة أو الغفلة. الحكومة الاسرائيلية تسمح بالمظاهرات والاضرابات ، هذه حقيقة، ولكنها ليست كل الحقيقة• فهي تسمح بذلك لليهود وليس للعرب، ومن ثم فإن الصورة تتضمن جانبا من الحقيقة ولكنها تجتزئ تلك الحقيقة من محيطها• الكيبوتز الإسرائيلي لا يعترف بالملكية الخاصة هذا صحيح إلى درجة ما ولكنه ايضا لا يمثل الحقيقة كلها فالكيبوتزات لا تمارس دعوتها للملكية العامة خارج حدودها والكيبوتزات تختلف وتتباين من حيث انتماءاتها الحزبية الأيديولوجية • والكيبوتزات تكاد أن تكون مغلقة تماماً على الاشكنازيم• وفضلا عن ذلك فإن مجموع أبناء الكيبوتزات لا يمثل اكثر من 5% من يهود إسرائيل • مرة اخرى فالصورة تتضمن جانباً من الحقيقة ولكنه جانب فحسب• صحيح أيضا أن ثمة علاقات تاريخيه بين أحزاب إسرائيلية وأحزاب اشتراكية أوروبية• ولكن صحيح كذلك أن الصورة الراهنة لتلك العلاقات لا تمثل الطابع السائد للنموذج الإسرائيلي• كما أن تلك الاحزاب الإسرائيلية المعنية تمثل قطاعًا فحسب من الأشكنازيم الإسرائيليين أصحاب التاريخ الأوربي • ومن ثم فإنهم يرتبطون بما هو أقرب إلى انتماءات أقرانهم من الأوروبيين • وفضلا عن ذلك فإن الاشتراكية الاوربية المقصودة بالحديث ليست بالضرورة تلك الاشتراكية التي يحلم بها العقل العربي•

والامر كذلك بالنسبة لصورة “إسرائيل الدولة الدينية”• صحيح أن اليهودية هي الدين الرسمي في إسرائيل• ولكن صحيح ايضاً ان الخلافات بين رجال الدين من الإشكنازيم وأقرانهم من السفارديم واضحة جلية، بل إن الخلافات بين رجال الدين ورجال الدولة في إسرائيل لا تقل – إن لم تزد عن نظيرتها في غيرها من الدول الدينية والعلمانية على حد سواء – اما صورة “إسرائيل مثال التقدم العلمي والتكنولوجي” فإنها تحوى أيضاً جانباً من الحقيقة فالتكنولوجيا في إسرائيل متقدمة دون شك • ولكنها ليست بحال تكنولوجيا إسرائيلية متميزة، بل إنه العلم الغربي والتكنولوجيا الغربية ، وإذا كان الأمر كذلك؛ واذا لم يكن بد من اختيار مثال او نموذج فالأصل اولى من الفرع • وكذلك صورة الإسرائيليون ابناء الهولوكوست النازي الرهيب صحيح أن الكثير من يهود المانيا واوروبا قد تعرضوا ضمن غيرهم لعسف نازي بشع• ولكن صحيح كذلك أن الهولوكوست كان ظاهرة ألمانية أوروبية، ومن ثم فإنه لم يشمل يهود الأرض جميعاً وصحيح أيضا أن أولئك اليهود الذين مستهم مباشرة عذابات النازية منذ ما يزيد عن الثلاثين عاماً ليسوا حالياً سوى قلة ضئيلة سواء في إسرائيل أو في خارج إسرائيل• وصحيح كذلك أن غالبية يهود إسرائيل اليوم من السفارديم والشرقيين والسابران وليس فيهم بالقطع من عانى من ذلك الهولوكوست الألماني الشهير• وكذلك الحال بالنسبة لصوره إسرائيل المتهالكة الممزقة من الداخل صحيح ان التجمع الإسرائيلي يضم أبناء اكثر من فئة قومية وصحيح ان التناقضات الإسرائيلية الداخلية بالغه الحدة ولكن صحيح كذلك ان السلطة الاسرائيلية لا تكف عن محاولة استخدام كافة السبل للتهدئة من حدة تلك المتناقضات، وأن سبيلها الأساسي لبلوغ ذلك هو الحرب مع العرب• كذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على وحدة إسرائيل ضماناً لبقائها• وفضلا عن ذلك كله فإن الإنسان صانع تاريخه، والتاريخ لا يتحرك بمعزل عن أبناء العصر• وتبقى بعد ذلك صورة أخيرة هي “إسرائيل القوة التي لا تقهر”• وهى بدورها تحوى جانباً لا يستهان به من الحقيقة • ولكن أليس من الحقيقة أيضاً أن الولايات المتحدة الامريكية هي المصدر الرئيسي للقوة العسكرية الاسرائيلية؟ ثم اليس صحيحاً كذلك أن صراعاً كالصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن أن تحسمه القوة العسكرية وحدها أياً كان تفوقها؟ ثم ألا يمدنا تاريخنا القريب بأكثر من نموذج واحد لإمكانية التصدي القتالي للجيش الإسرائيلي؟
خلاصة القول إذن أن تلك الصور جميعاً، رغم تباينها واختلافاتها تتفق في أمر محدد هو أنها تنتقى جزءاً من الحقيقة محاولة ان تعممه على الظاهرة بأكملها، وهنا مكمن الخطر ، فقبول الصورة كما هي يؤدى إلى التردي في منزلق التزييف كما ان رفضها كاملة يؤدى إلى التردي في منزلق التجهيل وهما أمران كلاهما مر وخطر، وليس من سبيل إلى تلافيهما إلا بالحرص على تحصيل أكبر قدر ممكن من المعرفة الموضوعية بإسرائيل• معرفة تحاول أن تضع كل شيء في حجمه الواقعي دون تجاهل أو تضخيم• واذا كان السعي للمعرفة الموضوعية بالآخر هدفاً انسانياً دائماً• وإذا كانت المعرفة الموضوعية بالخصم واجباً ضرورياً. وإذا كانت المعرفة العربية الموضوعية بإسرائيل تعد -منذ بداية الصراع -جانباً أساسياً من جوانب المواجهة• فإن تلك المعرفة قد أصبحت مسألة حياة زوو موت بالنسبة لنا بعد أن دخل الصراع العربي الإسرائيلي مرحلته الجديدة الراهنة: مرحلة عصر ما بعد كامب ديفيد•

الصراع العربي الإسرائيلي بين النخبة والشارع

إننا نعيش جميعاً عصر ما بعد كامب دافيد• يستوي في ذلك من يرون فيها الخير كل الخير، ومن يرونها شراً خالصاً. الجميع يعيشون نفس العصر مهما تباينت رؤاهم له، وهي متباينة بالفعل وإلى آخر مدى• فالبعض يرون في كامب دافيد ذريعة تبرر انعزال مصر عن بقية أمتها العربية. داعين إلى البحث عن “أصدقاء” جدد، و”أعداء” جدد أيضاً• كما لو كان االانتماء القومي مجرد صداقة تنعقد وتنفض وفقاً لأهواء أصحابها وكما لو كان العداء القومي مجرد مشادة عابرة يمكن ان تذوب فجأة لتبداً مشادات جديدة مع أطراف جدد• والبعض يرى في كامب دافيد ذريعة تبرر عزل مصر عن بقية الأمة العربية•

متوهمين أنهم بذلك يزيحون من على أكتافهم عبئاً ثقيلاً، ويفسحون لأنفسهم الطريق لقيادة الامة العربية بعد خلوه من ذلك المنافس العتيد• ناسين أو متناسين أن الجميع مازالوا في سفينة واحدة• وأن الموجه القادمة – إذا لم نحسن الاستعداد لها – سوف لا تبقى منا ولا تذر • والبعض يرى في كامب دافيد نهاية سعيدة للصراع مع إسرائيل• كما لو كان صراعاً مصرياً – إسرائيليا خالصاً يمكن أن ينتهى باتفاق يبرمه الطرفان المتصارعان مهملين بذلك حقيقة أن مصر جزء من العالم العربي ومهملين كذلك حقيقة العلاقة الوثيقة المتشابكة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية• ومهملين في نهاية الأمر أن الصراع المصري – الإسرائيلي لا يعدو أن يكون جزءا من الصراع العربي – الإسرائيلي الذى لا يعدو بدوره أن يكون جزءاً من صراعات القوى الكبرى على المنطقة• والبعض ايكاد يرى فيها شيئاً له دلالة مجرد خيانة عابرة، سرعان ما تمضى وتندثر آثارها• متجاهلين كل ما خلقته كامب دافيد، من واقع جديد، الخاسر هو من يغمض عينيه عنه محاولاً العودة بالعجلة إلى الوراء•

والبعض – ونحن منهم – يرى في كامب دافيد بداية لمرحلة جديدة من مراحل الصراع العربي – الإسرائيلي• مرحلة تختلف اختلافا جوهرياً عن مراحل الصراع السابقة بقدر ما هي امتداد جدلي لتلك المراحل• ويتمثل هذا الاختلاف الجوهري في بروز إمكانية جديدة لاكتساب الصراع طابعاً جماهيرياً حوارياً، بعد ان كان قاصراً او يكاد على الطابع السلطوي العسكري• والاستثناء الوحيد في هذا الصدد هم “الفلسطينيون” فقد كان دورهم في الصراع ومنذ البداية ، وبحكم ظروف تاريخية عديدة يتسم بحتمية تواجد الطابع الجماهيري الحوارى إلى جانب الطابع العسكري السلطوي•

الطابع الجماهيري للصراع

إننا لا نقصد باكتساب الصراع طابعاً جماهيرياً، مجرد إعلام “الجمهور بمجرياته وتاريخه”، و “توعيته” بأبعاده وتطوراتها• ولا نقصد به فحسب “ضرورة السعي للتعرف الموضوعي على رؤية الجماهير لطبيعة الصراع” • بل ولا حتى مجرد إشراك الجمهور في مناقشة الأمور المتعلقة بالصراع، فكل ذلك رغم ضرورته ووجاهته لا يعنى حتى في حالة ممارسته على الوجه الأكمل واستجابة الجمهور لكل ذلك استجابة كاملة، لا يعنى أن الصراع قد توافر له الطابع الجماهيري بالمعنى الذي نقصده•

إن “الجماهيرية” التي نعنيها إنما هي إفراز حتمي لظروف اجتماعية تاريخية محددة• ويقتصر دور النخبة في هذا الصدد على دفع هذا الطابع الجماهيري والإسراع به أو السعي إلى قمة وإعاقته• ولكنها لا تستطيع بحال أن تضفي ثوب الجماهيرية على ما لا تتوافر له شروطها • كما أنها لا تستطيع أن تنزع هذا الثوب عن صراع توافرت له شروط الجماهيرية•

إن جوهر “الجماهيرية” يتمثل في إقدام الجماهير بشكل حر وتلقائي على ممارسة دور لها في الصراع• ولا يتحقق مثل هذا الإقدام إلا بتوافر شرطان متكاملان:

اولاً:
أن يكون موضوع الصراع من تلك الموضوعات التي تمس صالح أو مشاعر أو امال الجماهير• والجماهير التي نقصدها في هذا السياق -وفى غيره أيضاً -هم أولئك البسطاء من غير الخبراء والعلماء والمتخصصين أو السياسيين الملتزمين فهؤلاء جميعاً يمثلون جانباً من النخبة في أي مجتمع•

ثانيا:
أن يكون موضوع الصراع من تلك الموضوعات التي تفرض نفسها بحكم طبيعتها على الممارسات اليومية للجماهير وذلك بحيث تكون الممارسة اليومية المعتادة لكل فرد هي في حد ذاتها تعبيراً عن موقف اختاره بالفعل تجاه هذا الصراع، ومن ثم تصبح جماهيرية الموضوع نابعة من داخله وليست منحة سلطوية يملك مانحها أن يمنعها• ولعل ذلك الطابع المميز لهذه الخاصية هو ما يصعب من مهمة النخبة أو السلطة إذا ما استهدفت إعاقة الطابع الجماهيري للصراع• وفى نفس الوقت فإنه ييسر عليها تلك المهمة إذا ما استهدفت الدفع به إلى الأمام •
والأمثلة التي توضح مدى تمايز وتكامل هذين الشرطين عديدة متنوعة • ويكفى ان نشير على سبيل المثال إلى نموذجين انتشار الأسلحة النووية لا يمس مصالح الجماهير فحسب، بل إنه يهدد وجودها أصلا• ولكنه رغم ذلك لا يفرض نفسه بحكم طبيعته على الممارسات اليومية المعتادة للأفراد• ولذلك فإن إضفاء الطابع الجماهيري عليه رغم ضرورة ذلك ليس بالمهمة اليسيرة، أما موضوع “الفتنة الطائفية” مثلاً فإلى جانب أنه يمس مشاعر تلك الجماهير ، فإنه يفرض نفسه بحكم طبيعته على الممارسات اليومية للأفراد، حتى أنه قد يشمل اختياراتهم لنوعية ما يرتدون من ملابس، ونوعية ما يستخدمون من تعبيرات لفظية •• إلى آخره•

الطابع الحواري للصراع

أما الطابع الحواري للصراع فإنه الوجه الآخر لطابعه الجماهيري الذي تحدثنا عنه، ونحن لا نعنى بالحوار في هذا السياق ذلك الحوار النخبوي الذي تشهده اورقه الأمم المتحدة ودهاليزها أيضاً • أو كذلك الذي نشهده أحياناً ويغيب عنا كثيراً بين قيادات التنظيمات السياسية المتصارعة أو المتحالفة أو كذلك الذي نسمع اصداءه وقد نرى بعضاً من نتائجه خارج قاعات التفاوض ولقاءات القمم •• إلى آخره فتلك الحوارات جميعاً، ورغم أهميتها البالغة • وضرورتها الملحة في كثير من الأحيان، إنما تتسم بخاصيتين تبعدانها عما نقصده:

الخاصية الاولى:
إن تلك الحوارات بحكم انتماء أصحابها إلى النخبة إنما تنعقد وتنفض بقرارات سلطوية •

الخاصية الثانية:
أن الجانب الأكبر والأهم من سياق مثل تلك الحوارات يتم غالباً وبحكم الضرورة في غرف مغلقة حيث يتولى المتخصصون مهام الإعداد لتلك اللقاءات، وإدارتها وصياغة نتائجها•

إن ما نقصده بالطابع الحواري للصراع هو أن تطرح مجريات الصراع في سياق تاريخي معين إمكانية الحوار بين جماهير الاطراف المتصارعة، وتتسع هذه الامكانية وتضيق وفقا لحجم التواجد المكاني المشترك لجماهير تلك الاطراف المتصارعة

ولابد لنا هنا من تفرقه واضحة بين تعبيري “الحوار” و “التعاون” فكثيراً ما يختلط أمرهما على البعض، الحوار خاصية إنسانية عرفها الإنسان حتى قبل أن يعرف لغته المنطوقة حيث كان تبادل الأفكار -أي الحوار -يتخذ صوراً غير لغوية شتى• ومنذ بدء الخليقة وحتى الآن ما زال البشر يتحاورون عبر كافة وسائل الاتصال المتاحة•

الجميع يحاورون الجميع. ولكن هناك حوار، وحوار• نحن نحاور الأصدقاء لكى نشد أزر بعضنا البعض، ولكى يدعم كل منا الآخر ولكن نتعلم منهم ونعلمهم• ونحن نحاور أيضاً غير المصنفين ممن لا نعرف آراءهم على وجه التحديد، ذلك لكى نتبين مواقفهم• محاولين استمالتهم إلى جانبنا• ونحن كذلك نحاور الخصوم بهدف فرز الأصدقاء المحتملين من بين صفوفهم، فضلاً عن إضعاف الحجج التي يستخدمونها ومن ثم الحد من تأثيرها بين صفوفنا نحن • أهداف الحوار إذن تتباين : هناك حوار تعاوني، وهناك حوار صراعي، وهناك حوار تصنيفي• والفوارق بين هذه الانواع من الحوار غنية عن البيان، بل لعل شيئاً لا يربط بينها سوى استخدامها جميعاً لوسائل الاتصال المتاحة•

ونخلص من ذلك إلى أن الحوار مع الآخر أيا كان لا يعنى بالضرورة تعاوناً معه ولا حتى قبولا بوجوده بصورته وبأفكاره الراهنة •• وإلا لما كان هناك حوار مثلا بين المتدينين والملحدين عبر التاريخ• أو بين العمال وأصحاب الأعمال• ومن ناحية اخرى فإن الحوار مع الآخر مهما بلغ هذا الحوار من الحرارة والصدق لا يعنى بالضرورة تسليم أي من طرفي الحوار بزن حوارهما يمكن أن يكون نهاية لتصارعهما فالأمر يتوقف في النهاية على طبيعة موضوع الحوار•

إن الطابع الجماهيري للصراع لا يستبعد بحال دور السلطة أو النخبة في محاولة إدارة مجرياته وفقا لرؤاها ومصالحها وكذلك فإن الطابع الحوارى لا ينفى يحال الدور الحاسم للقوى المادية في تحديد مساره طالما كان موضوع الصراع اجتماعي اقتصادي في جوهره• بل لعلنا لا نجاوز الحقيقة كثيراً إذا ما أكدنا أن ليس ثمة وجود واقعى لما يمكن أن يسمى بالصراع الفكري “ الخالص” بين القوى الاجتماعية التاريخية• وتكامل الأوجه الأربعة “للعملية” الصراعية هو ما ينبغي السعي إلى بلوغه والحرص على تطويره • فطغيان الطابع الجماهيري وحده يفقد العملية الصراعية إمكانيات التنظيم وشمولية النظرة ويؤدى إلى الإبطاء في حسم الصراع حسماً نهائياً• كذلك فإن طغيان الطابع السلطوي – مهما كانت ثورية السلطة – يفقد العملية الصراعية إمكانية الاستمرار وواقعية النظرة، وقد يؤدى إلى إجهاض العملية الصراعية تماماً بتمكين الطرف الآخر من تحقيق أهدافه • وكذلك الحال بالنسبة لتكامل الدور الحوارى مع دور القوى المادية في العملية الصراعية • فالمحاور الذى لا يأخذ في اعتباره طبيعة موازين القوي المادية مهما كان الحق في جانبه ومهما كانت براعة حجته، مآله في النهاية إلى اليأس والاستسلام • وكذلك فإذ المقاتل الذى يسقط الحوار من ترسانة أسلحته ، مهما كانت موازين القوى في صالحه، إنما يحكم على معركته بالفشل على المدى البعيد•

الفلسطينيون••• والجماهيرية ••• والحوار

لقد كان الدور الفلسطيني في الصراع -وما زال -أقرب الأدوار إلى التكامل الرباعي المنشود بين القتال والحوار والجماهير والقيادة، وذلك بحكم الظروف التاريخية للصراع العربي -الإسرائيلي-وإن كان التكامل التام بين تلك الأوجه وجه جميعاً أمر يفوق طاقة البشر بعامة وليس الفلسطينيون وحدهم • ويعنينا في هذا الصدد إبراز أمرين يؤكدان ماسبق أن ذهبنا إليه:

الأول:
إن الطابع الجماهيري لم يكن نتيجة قرار فوقى اتخذته القيادة الفلسطينية، بل أنه أمر اقتضته طبيعة الصراع فليس ثمة فرد فلسطيني يستطيع – حتى ولو اختار وحاول – أن ينأى بوعيه وبممارسته اليومية عن هذا الصراع • إنه مطالب دائما باتخاذ موقف ما في هذا الصدد بصرف النظر عن مضمون هذا الموقف سلبا أو إيجابا• ويرجع “الفضل” في ذلك إلى طبيعة الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني التي أدت إلى الشتات الفلسطيني كما أدت من ناحية أخرى إلى تبلور القيادة الفلسطينية ومؤسساتها خارج الأرض الفلسطينية، بل وخارج التواجد المكاني لقطاع كبير من الشعب الفلسطيني• ومن ثم فإن القرار القيادي الفلسطيني، لا يستمد شرعيته بالدرجة الأولى من دستورية الهيئة التي أصدرته، بل من مدى صدق تعبيره عن الشعب الفلسطيني• كذلك فإن القرار القيادي الفلسطيني• لا يستمد قدرته على الإلزام من القوة السلطوية التنفيذية للهيئة التي أصدرته، بل من مدى اقتناع الجماهير الفلسطينية به • إن منظمة التحرير الفلسطينية تملك أن تتخذ قراراً ولكنها لا تملك أن تجبر فلسطينياً في عكا أو نابلس أو غزة على الخروج في مظاهرة مثلاً كما أنها لا تملك أن تعاقب فلسطينيا خرج على قرار لها في يافا أو القدس او رفح بأن تسجنه أو تسحب جواز سفره • بل أنها توكل إلى جماهيرها الفلسطينية المقتنعة بقرارها أن تتولى تنفيذه بل وأن تتولى عقاب الخارج عليه• ومن هنا نبعت حتمية التكامل بين دوري السلطة وجماهيرها في الساحة الفلسطينية•

الثاني:
أن الطابع الحوارى لم يكن كذلك نتيجة قرار اتخذته القيادة الفلسطينية • بل أن القرارات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية في هذا الصدد إنما كانت تعبيراً شجاعاً ناضجاً عما اقتضته مجريات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفقا لمجريات هذا الصراع نحو الأمام، وترجع جذور هذه الضرورة إلى بداية قيام دولة إسرائيل عام 1948حاملة في أحشائها بذور نقيضها الاستراتيجي متمثلا فيما أطلق عليه بعد ذلك “ظاهرة عرب 1948”. لقد حافظ “عرب 1948” على هويتهم العربية رغم الاحتلال الإسرائيلي وما فرضه عليهم من عزلة ومن إجراءات قمعية ولم يكن لهم أن يحققوا ما حققوه من نجاح مذهل في هذا الصدد إذا ما استسلموا لعزلتهم وانغلقوا على أنفسهم• إنهم لم يكفوا طوال هذه الأعوام الطويلة عن محاولة التحرك داخل التجمع الإسرائيلي رغم ما هو مفروض عليهم من قيود• لم يكفوا عن محاولة التماس الثغرات التي تسمح لهم بالتعبير عن هويتهم• لم يكفوا عن التماس الأصدقاء أو حتى أشباه الأصدقاء بين صفوف التجمع الإسرائيلي• لم يقاطعوا الانتخابات الإسرائيلية حتى بعد أن حالت السلطات دونهم ودون أن تكون لهم قائمتهم الانتخابية الخاصة فأعطوا اصواتهم لمن وجدوه الأقرب إليهم وإن لم يكن منهم• ولم يكن نجاحهم في كل ما حاولوه بالشيء الذى يستهان به، ولم يكن الثمن الذى دفعوه بالشيء القليل• ولم يكن ذلك الثمن قاصراً على ما لاقوه ويلاقونه مع قمع إسرائيلي• بل أن الثمن الأقدح الذى يدفعونه إنما يرجع إلى عدم تفهم العرب خارج فلسطين لممارستهم تفهما واضحا خالطين في ذلك بين مفهومي “الحوار” و”التعاون”• ولعل من يرى منا اليوم انتفاضاتهم في الناصرة وبير سبع وغيرها احتجاجا على مذابح صابرا وشاتيلا في للبنان لا يصبح في حاجة إلى برهان على سلامة ممارستهم السابقة•

ولقد امتدت ظاهرة “عرب 1948“ لتشمل الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة، ومع توافر شرط التواجد المكاني الواحد لطرفي الصراع أصبحت الظاهرة أكثر إثارة لقلق السلطات الإسرائيلية • لقد استوعب الفلسطينيون في الضفة والقطاع “خبرة عرب 1948” بسرعة فائقة ولم يقعوا في المنزلق الإسرائيلي الذى يدفعهم إلى الخلط بين “التعاون” و “الحوار”• رافضين التعاون في دعم تنظيمات روابط القرى مثلا• ولكن دون أن يكفوا لحظة – رغم اختلاف ظروفهم – عن التماس الأصدقاء والحوار معهم• وشهد العالم على سبيل المثال مظاهرات مشتركة تضم إلى جانب الفلسطينيين يهودا إسرائيليين يحتج فيها الجميع على إغلاق جامعة بيرزيت في الضفة الغربية•

وجاء الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان• وحوصرت بيروت وحوصرت فيها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية• ومن قلب القتال المشتعل، ووسط سيول القنابل الإسرائيلية، يرتفع صوت أبو عمار يحي بيانا أصدره ثلاثة من مشاهير الحركة اليهودية هم جولدمان وفرانس وكلوتزنيك• بل تمتد يد رمز الثورة الفلسطينية لتشد على يد اورى افنيرى اليهودى الإسرائيلي في نهاية حوارهما في بيروت المحاصرة• بل ويجد أبو عمار وقتا لحديث يدلى به للصحفي الإسرائيلي كابيلوك• ذلك هو الحوار الذى نعنيه والذى فرضت ضرورته مجريات الثورة الفلسطينية واستوعبت قياداتها أبعاد هذه الضرورة واستجابت لها• ولسنا في حاجه بعد ذلك إلى أن نكرر أن هذا النوع من الحوار لم يكن بديلا للقتال ولكنه كان مكملا له بل نابعا من أحشائه•

عرب ما قبل كامب داافيد •• والصراع

كانت تلك هي أهم ملامح الدور الفلسطيني في الصراع، اما الدور العربي غير الفلسطيني فقد اتسم بملامح جد مختلفة• قد تتباين بين قطر عربى وآخر • ولكنها تتفق بدرجه أو بأخرى في عدة خطوط عامة لعل أهم ما يعنينا منها في هذا الصدد هو تقييد حجم المعلومات المتاحة للجماهير عما يجرى في إسرائيل• وقد كان لهذا التقييد مبرراته ونتائجه على المستويين الجماهيري والسلطوي على حد سواء• أما مبررات هذا التقييد فقد كانت تتخذ فيما نرى الصورة التالية: أننا نواجه عدوا شرسا له جيش نظامي قوى مدجج بالسلاح• تسنده قوة دولية عظمى هي الولايات المتحدة الامريكية• وتدعمه المنظمات اليهودية في العالم بأسره• ويستند إلى تاريخ طويل من التآمر والخديعة• ويتبنى فكرا معاديا احكمت صياغته• ومن ثم فإن السبيل الوحيد للتصدي له يتمثل في الحرب العسكرية النظامية التي ينبغي الإعداد لها بطبيعة الحال ستارا كثيفا من الانتقائية والسرية• وإلى أن نستكمل استعداداتنا للمعركة، فعلينا أن نحمى أبناء شعبنا من الدعايات المعادية• والطريقة المثلى لذلك هي أن نحول تماما دون وصول “فكر العدو” إليهم سواء كان عن طريق الإذاعات أو الجرائد أو الكتب أو الاتصال الشخصي• وامتد تعبير “فكر العدو” واتسع ليشمل غالبية ما يكتب عن إسرائيل بأقلام غربية(ومن أدرانا أن تلك الكتابات ليست جزءا من المخطط الإسرائيلي العالمي !!) بل وليشمل هذا الخطر أيضاً غالبية ما يكتب في الخارج عن اليهود (ما الفرق بين اليهود والإسرائيليين !!)• وهكذا اختلط كل شيء بكل شيء• وضاعت الحدود بين “الفكر” “والمعلومات” وبين اليهود والإسرائيليين ولكنها لم تضع أبداً بين السلطة والجماهير• بل على العكس فقد تمايزت الأدوار بينهما تماما• فللسلطة ولنخبتها المنتقاة حق الحرب ( على مستوى إتخاذ قرارات الحرب النظامية)• وحق المعرفة (على مستوى أجهزة الاستخبارات وغيرها)• وكلاهما وجهان لعملة واحدة• أما الجماهير فمحرومة من كلاهما• فهي محرومة من حقها في ممارسة الحرب ( سواء على مستوى اتخاذ القرار أو على مستوى ممارسة الحرب الشعبية)• ومحرومة كذلك من حقها في معرفة عدوها • ولم يترك للجماهير في هذا الصدد سوى حق “التأييد” تأييد ما تتخذه السلطة ونخبتها من قرارات بشأن مواجهة ” العدو“، ومن ثم فقد استقر في وعى قطاعات عريضة من الجماهير أنه ما من سبيل لمواجهه إسرائيل إلا بالقتال العسكري المنظم، والقتال كما نعلم جميعا فرض كفاية• يقع على عاتق فريق من أبناء الأمه دون غيرهم باعتبارهم الأقدر عليه والأكثر تأهيلا له • وليس معقولا أن يكلف به أبناء الأمة جميعاً • وكان طبيعيا أن يجرى على المعرفة ما جرى على القتال• بمعنى أن تتحول هي أيضا – وهذا هو أخطر ما في الأمر – إلى فرض كفاية • أمر ضروري نعم • ولكن له أصحابه من أهل الاختصاص الذين يقومون بالمعرفة عوضا عنا•

ولم يعد ثمة ما يثقل كاهل الجماهير في الأمر كله “اللهم إلا أنهم وقود الحرب !! “• أما فيما عدا ذلك فرجال السلطة كفيلون بحمايتهم تماما يحمونهم من وقوع أعينهم على سلعة إسرائيلية• ومن تسلل شخص إسرائيلي أيا كان إلى صفوفهم • ومن تسرب كتاب أو مقال من إسرائيل أو عن إسرائيل إلى عقولهم• ومن وصول الإذاعة الإسرائيل إلى آذانهم• وهكذا ظلت الجماهير حماسها متأجج لمواجهة إسرائيل وأجهزة الأعلام تزيد ذلك الحماس اشتعالا• ومعرفتها تكاد تكون صفرا بما يجرى في إسرائيل وأجهزة السلطة تضيف إلى جهلها تضليلا إلى أن وقعت قارعة 1967• وأيقظت القارعة جماهيرا عريضة أصبحت بين يوم وليلة لا تتوقف عن السؤال “لماذا؟”• لماذا حدث ما حدث؟ ولم يكن ممكنا لأحد أن يجيب عن السؤال الملح – أيا كانت وجهه نظره – إلا إذا ما أحاط إجابته بقدر من التعريف بإسرائيل والإسرائيليين• وهكذا تفجرت حاجة الجماهير للمعرفة• ولم يكن بد من أن يفتح الباب بحذر شديد لتلبية هذه الحاجة• ولسنا بصدد التعرض بنقد او بتصنيف لتلك المحاولات، فلذلك موضع آخر • كل ما يعنينا في هذا الصدد هو أن نسجل تدفق قدر من المعلومات عن إسرائيل على العقل العربي• وأن نسجل أيضا أن هذا القدر المحدود قد ظل في الجانب الأكبر منه يخلط وبشكل أكثر إصراراً بين اليهودية والصهيونية ، ويدمج الإسرائيليين بالصهاينة • وخلاصة القول أن شيئاً أساسياً لم يتغير في ديناميات الدور العربي غير الفلسطيني في الصراع • وظللنا جميعا ندور في فلك السياسة الشهيرة المرسومة : اللاحرب واللاسلم • حتى بدأت مقدمات عصر كامب دافيد في إتيان ثمارها•

مقدمات عصر كامب دافيد

لم يبدأ عصر كامب دافيد في ساعة محددة من يوم 25 أبريل عام 1982 حين انسحب آخر جندى إسرائيلي من أرض سيناء المصرية حاملا معه علمه وذكرياته • ولم يبدأ هذا العصر في سبتمبر 1978، حين تم توقيع معاهدة كامب دافيد، ولا في 5 سبتمبر 1978 حين بدأت محادثات كامب دافيد؛ بل إن البداية التاريخية لم تكن يوم 19 نوفمبر 1977 حين حطت طائرة رئيس جمهورية مصر العربية في مطار بن جويون الإسرائيلي• أن عصر كامب دافيد لم يبدأ بفكرة انبثقت فجأة في ذهن رئيس مصر الراحل محمد أنور السادات• بل أن لهذا العصر مقدمات تضرب بجذورها القديمة إلى بواكير قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948• كما أن بشادرها القريبة تبدأ فيما نرى مع مطلع عام 1965 حين بدأت البذور الأولى لتخلخل سياسة اللاسلم واللاحرب•

أ -المقدمة الأولى: يناير الفلسطيني

مع نهاية أخر ليالي ديسمبر عام 1964 وبزوغ فجر الأول من يناير 1965 شهدت المنطقة العربية أول عملية عسكرية يقوم بها الفلسطينيون عبر الحدود الإسرائيلية، وقد كانت عملية متواضعة بالمقاييس العسكرية سواء من حيث عدد المشاركين فيها أو حجم ما نجم عنها من خسائر على الجانب الإسرائيلي• ولكن أخطر دلالاتها التاريخية قد تمثل في كونها تجسيد عملي لقيام منظمة فتح• وقد كان ذلك فيما نرى بمثابة الخطوة الأولى عن طريق كسر سياسة اللاحرب واللاسلم• كيف؟

1-لقد كان الغطاء الأيديولوجي الفلسطيني بل والعربي لسياسة اللاحرب واللاسلم يتمثل أنداك في فكرة أساسية هي “الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين” • ومن خلال رواج هذه الفكرة والترويج لها أصبح هم الأمه العربية الأساسي وشاغلها الأكبر هو الوحدة وكيف تتم؟ وما هو شكلها النهائي؟ هل الاشتراكية شرط لها؟ أم هي الشرط للاشتراكية؟ ومن يرأس من داخل دولة الوحدة المرتقبة؟ وانهك العقل العربي نفسه في حل تلك المعضلات الفكرية العويصة• وأصبح العدو الرئيسي للثورة العربية هم أعداء الوحدة العربية الذين ينبغي الإطاحة بهم أولا للبدء في تحرير فلسطين• وبدا للبعض أن أخطر هؤلاء الأعداء إنما هم أولئك العرب من “الرجعيين” واليمينين” وعملاء الاستعمار، وأنه لابد من القضاء عليهم أولا ليمضي ركب الوحدة دون عائق• ولم يضيع أحد وقته فشرع كل طرف أقلامه بل وأسلحته للقضاء على الطرف العربي الآخر• وتراكمت الأولويات لتسبق “فلسطين” بدعوى أنها جميعا شروط لتحريرها في النهاية”• وراح الفلسطينيون في خضم تلك التيارات يفتشون بين المدن العربية عن عاصمة تصلح لتكون هانوي العرب• وجاءت واقعة يناير 1965 لتضع حدا لهذا الضياع مجسة شعارا جديدا هو “ تحرير فلسطين طويق الوحدة”• محدثه بذلك شرخا عميقا في الغطاء الفكري لسياسة اللاسلم واللاحرب•

2 – لقد اعتمدت سياسة اللاسلم واللاحرب على مقولة مؤداها أن الحرب النظامية هي السبيل الوحيد لتحرير فلسطين• وأن أية محاولة لممارسة حرب غير نظامية في هذا الصدد لا يمكن أن يستفيد منها إلا الجانب الإسرائيلي كمبرر لإجهاض المحاولات العربية الدائبة “لتشكيل الجيوش العربية النظامية”• كما أن تلك المحاولات لا يمكن أن تؤدى إلى شيء على الإطلاق نظرا لجبروت الوجود الإسرائيلي واستحالة اختراقه بأية عمليات محدودة ومغامرة• وجاءت عملية يناير 1965 لتمثل الرد العملي على هذه المقولة: ثمة نوع آخر من الحرب يمكن ممارسته في مواجهة اسرائيل• حرب لا تشترط بالضرورة اعتماد المليارات لشراء الطائرات وإنشاء المطارات• حرب لا تعتمد نتائجها في المقام الأول على القوة العسكرية• حرب يمكن أن تحاول الخروج ولو بدرجة محدودة عن نطاق اتفاق إرادات القوى على تبنى سياسة اللاحرب واللاسلم•

وكان طبيعيا والأمر كذلك أن تنهال الهجمات من كل صوب على تلك النبتة الصغيرة، فحماة سياسة اللاحرب واللاسلم لم يغفلوا عن دلالة ما يجرى رغم صغر حجمه• ولم تكن تلك الهجمات بالشيء الهين• فأصحاب سياسة اللاحرب واللاسلم عتاة أقوياء ولهم ترسانة لا تنضب من الأسلحة ومن الأفكار• ولم تمض سوى عدة أيام من الصمت المذهل حتى انهالت سيول الهجوم من كل صوب• فأصحاب عملية يناير 1965لايمكن أن يكونوا في نظر البعض إلا إخوانا مسلمين متعصبين• ولأيمكن أن يكونوا في نظر البعض الآخر إلا عملاء للاستعمار والصهيونية• وصنفهم البعض ضمن “عملاء” الناصرية، أو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أو الشيوعية الدولية• وأنهم في النهاية أعداء للحركة الوطنية الفلسطينية• وكان منطقيا والأمر كذلك أن تجمع الأطراف العربية المعنية جميعا على ضرورة قمع تلك النشاطات المشبوهة “لعدم إعطاء إسرائيل ذريعة لمهاجمة البلدان العربية” وسرعان ما وضعت تلك الضرورة موضع التنفيذ الفعلي وسقط الشهيد احمد موسى أول شهداء الفلسطينيون برصاص عربي؛ وعلى الطريق من الشهيد أحمد موسى (الأردن 1965) إلى الشهيد سعد صايل (لبنان 1983) سقط الألاف من الشهداء يدفعون للقوى العظمى من دمائهم ثمن محاولة استقلال القرار الفلسطيني، ومحاولة كسر حصار اللاحرب اللاسلم بالسعي إلى ممارسة الحرب والحوار معا وما زالت القائمة مفتوحة مالم يسلم الفلسطينيون بما هو مطلوب منهم ومن كافة دول المنطقة وهو الالتزام الدقيق بسياسة اللاحرب اللاسلم•

ب – المقدمة الثانية : أكتوبر المصري

شهدت ظهيرة السادس من أكتوبر عام 1973 بداية جولة جديدة من جولات الصراع العربي الإسرائيلي• جولة تميزت كيفيا عن بقية الجولات السابقة، ليس من حيث نتيجتها العسكرية فحسب• بل -وهو الزهم -من حيث دلالتها الاستراتيجية وما تعنيه من كسر لسياسة اللاحرب اللاسلم• وقد تمثلت تلك الدلالة فيما نرى في أمرين:

1 -لقد اعتمدت سياسة اللاحرب اللاسلم كما سبق أن أشرنا في أكثر من موضع على ترسيخ فكرة “إسرائيل التي لا تقهر” ولم يألف أصحاب تلك السياسة جهدا في سبيل ترسيخ تلك الفكر وإبراز أن يد الجيش الإسرائيلي تطول كل سنتيمتر على اتساع الأرض العربية عامة والمصرية خاصة• فالعربدة الإسرائيلية من السويس إلى أبى زعبل• ومن بحر البقر إلى نجع حمادي • ومن دير ياسين إلى قبية إلى خان يونس إلى غزة هي القاعدة المطلقة الصحيحة التي لا ينبغي أن تغيب أبدا عن العقل العربي، وما عدا ذلك من نقاط مضيئة متناثرة ليست سوى الاستثناءات العابرة التي لا تعنى شيئا إلا تأكيد وجود القاعدة•

وجاءت حرب أكتوبر لتهدم تلك القاعدة التي حرصوا على بنائها في العقل العربي. لقد أجبر الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى في تاريخه على التراجع تحت الضغط العسكري عن أرض سبق أن احتلها بالقوة المسلحة • ولم يكن ذلك التراجع بالأمر الذي يمكن إخفاؤه أو الحيلولة دون انطباعه في أعمق أعماق العقل العربي• فلقد شهدت عيون مائه مليون عربي حصون خط بارليف وقد دكت• وشهدت تلك العيون جنود مصر من أبناء الفلاحين الذين شوهت سمعتهم الحضارية قبل العسكرية يعبرون قناة السويس مجبرين جنود ذلك الجيش الذي لا يقهر على الفرار أو رفع الأعلام البيضاء•

2 – لقد تمثلت سياسة اللاحرب اللاسلم على الصعيد العملي في الحيلولة دون الحرب بالتضخيم من أعبائها والتهويل من نتائجها ثم اتهام من يلتمس له مخرجا بالمغامرة وعدم المسئولية • ويتمثل الوجه الآخر لسياسة اللاحرب اللاسلم على الصعيد العملي أيضا في الحيلولة دون السلام بالتضخيم من سلبياته والتهويل من نتائجه ثم إتهام من يلتمس له مخرجا بالخيانة والعمالة والاستسلام• وإذا كان يوم السادس من اكتوبر 1973 قد شهد تخلخلا للوجه الأول من وجهى عملة اللاحرب اللاسلم، فقد شهد يوم السادس عشر من نفس الشهر بداية تخلخل وجهها الثاني حين أعلن الرئيس الراحل محمد أنور السادات في خطاب له أمام مجلس الأمة المصري أنه مستعد لحضور مؤتمر سلام دولى بإشراف الأمم المتحدة لضمان سلام دول المنطقة جميعا• خلاصة القول أن الدلالة الثانية لحرب أكتوبر قد تمثلت في تجسيدها للتكامل بين هذه الحرب والامكانية الموضوعية لحوار متعادل مع الطرف الآخر•
لقد كانت حرب اكتوبر بوجهيها تمثل أقصى حد من الخطورة والتهديد لسياسة اللاحرب اللاسلم• ولم يستطع صناع هذه السياسة التزام الصمت أو السكون• بل أنه لم يعد في طاقتهم الالتزام بلعبتهم المفضلة “تحريك الخيوط من بعيد” وأسفرت تلك القوى العاتية عن وجهها خلال الثغرة الأمريكية الإسرائيلية أو عملية العبور المضاد للجيش الإسرائيلي• أما على المستوى الفكري فقد انهالت سيول الهجوم من كل صوب محاولة تشويه ما جرى في أكتوبر؛ فهو ليس إلا تمثيلية لا معنى لها• أو مؤامرة إسرائيلية أمريكية مصرية، بل لقد بلغ الأمر بالبعض إلى حد وصف كل ما جرى باعتباره حل في الإطار الإمبريالي• ويكفينا هنا أن نقارن بين الهجوم على ما جرى في يناير 1965، و الهجوم على ما جرى في أكتوبر 1973، لنكشف تشابها بل تطابقا مريبا بين الهجومين : محاولات التحجيم والتهوين من شأن ما جرى هي بعينها• ومحاولات احتوائه هي بعينها أيضا• بل وحتى الاتهامات الموجهة لأصحابه تكاد أن تكون هي بنصها بل وتكاد أن تكون مرتدية نفس الثوب “الثوري” المهلهل•

كامب دافيد والإمكانيات الجماهيرية

لم يكن التوقيع على معاهدة كامب دافيد قراراً بإغلاق ملف قضية الصراع العربي الإسرائيلي• ولم يكن حكما نهائيا فيها• بل كان – فيما نرى – قراراً بإحالة القضية برمتها إلى الجماهير• وسوف نحاول هنا ألا نقف طويلا أمام نوايا من وضعوا توقيعهم على المعاهدة وما كان يدور في أذهانهم آنذاك• ولن نحاول حتى أن نبحث في مبرراتهم للتوقيع عليها• ولا في دوافعهم الحقيقية لهذا التوقيع كلها أمور هامة دون شك وجديرة بكل اهتمام• ولكن الأهم منها والأجدر بالدراسة في رأينا هو تأثير ما جرى على الجماهير العربية ودورها في الصراع يتميز – كما سبق أن أشرنا – بغلبة الطابع السلطوي العسكري على الطابع الجماهيري الحوارى• وجاءت كامب دافيد لتوفر إمكانية – بل لتخلق ضرورة تصاعد الطابع الجماهيري الحوارى تصاعدا جوهريا مقتربا بذلك من التكامل مع الطابع العسكري السلطوي• ولعلنا نستطيع في هذا الصدد أن نسوق الإيجابيات التالية :

أولاً : لقد بدأ تهاوى المشجب الإسرائيلي التقليدي القديم الذى استخدمته قوى القهر والظلام في عالمنا العربي طويلا، فأتقنت استخدامه أيما إتقان• كان لأى حاكم عربى كائنا من كان أن يرفع عقيرته بالعداء لإسرائيل ليكتسب صفة الثورية وليصبح له أن يعسف بمن يشاء وقتما يريد وكيفما يريد ملتحفا بالعباءة الثورية الفلسطينية متهما كل من يجرؤ على نقده يخيان القضية المقدسة قضية فلسطين• ولم لا أليس كغيرة معاديا لإسرائيل، داعيا إلى تحريرها صارخا باسم فلسطين وعروبتها• وظل الأمر هكذا حتى وضع السادات توقيعه على معاهدة كامب دافيد• موقعا بذلك على رسالة ضمنية مؤداها إعلان بداية النهاية الموضوعية لعصر المشجب الإسرائيلي ولقد وصلت الرسالة إلى أصحابها وفهموا محتواها وكان ردهم عليها – ومازال – عنيفا بالغ العنف•

ثانياً: لقد أصبحت إسرائيل للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي في متناول أيدى أكثر من نصف جماهير الأمه العربية أي في متناول جماهير الشعب العربي المصري والفلسطيني وقد كان الأمر قبل ذلك قاصرا على الشعب العربي الفلسطيني وحده• فلقد أصبح الصراع العربي الإسرائيلي يفرض نفسه على الحياة اليومية المعاش لجماهير الشعب المصري بقدر حجم التواجد الإسرائيلي في مصر• لقد أصبح في متناول المصريين سلعا إسرائيلية• وسفارة إسرائيلية• بل وبشرا إسرائيليين • وأصبح على رجل الشارع في مصر أن يحدد له موقفا من هذا كله على المستوى الفردي• هل يقبل شخصيا أن يشترى سلعة إسرائيلية؟ هل يوافق على السكن في شقة مجاورة لشقة يسكنها إسرائيليون؟ هل يقبل السفر إلى إسرائيل لو كان ثمة مبرر لذلك؟ • وبعبارة أخرى فقد اكتسب الصراع على الساحة المصرية إمكانية أن يكون صراعا جماهيريا• وأصبح وارداً للمرة الأولى في مصر أن يرتفع شعار يدعو الجماهير إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية إلى جانب أصوات تدعو الجماهير ولو بشكل غير مباشر إلى إدانة هذا الشعار• وإذا كان لذلك من معنى فإنه يعنى أن الجماهير قد أصبحت للمرة الأولى هي صاحبة القضية على مستوى الفعل والممارسة•

ثالثا: أصبحت هناك إمكانية موضوعية للحوار المباشر بين الإسرائيليين والمصريين سواء من الشارع المصري أو في الشارع الإسرائيلي• وأصبح للمصري إذا ما التقى بإسرائيلي أن يستثمر هذه الإمكانية لو شاء• وبطبيعة الحال فإن النطاق الموضوعي لهذه الإمكانية محدود بحجم التواجد البشرى المكاني المشترك لطرفي الصراع وهو حجم بالغ الضآلة إذا ما قورن بنظيره على الساحة الفلسطينية• ولكن تواجده أمر بالغ الدلالة أيضا وهو ما سيرد تفصيله فيما بعد•

رابعاً: أصبحت هناك إمكانية موضوعية لتبلور الصراعات في الشارع الإسرائيلي بعد أن كانت الحرب تمثل عنصر التوحيد الرئيسي لهذا الشارع• صحيح أنه كان ثمة اتجاهات سلامية بل وحتى معادية للصهيونية داخل صفوف هذا التجمع منذ بدء تكوينه• ولكن تلك الاتجاهات لم تتخطى كثيراً حدود قطاع ضئيل داخل النخبة الإسرائيلية• وجاءت كامب دافيد لتخلق إمكانية جديدة لتحول تلك الاتجاهات إلى تيار جماهيري•

خامسا : أتاحت كامب دافيد للجماهير العربية إمكانية التعرف الموضوعي المباشر على ما يجرى في الساحة الإسرائيلية• ومن ثم أصبح ممكنا تحويل صورة إسرائيل من المستوى الزائف الأسطوري الذى تحدثنا عنه في البداية إلى مستوى واقعى يضع كل شيء في حجمه الصحيح• ويصدق ذلك على الأفراد الإسرائيليين وعلى البضائع والتكنولوجيا الإسرائيلية على حد سواء أصبح ممكنا للمواطن العربي أن يرى بعينيه قيام المظاهرات في مواجهة السلطة الإسرائيلية وأن يرى بعينيه أيضا كيف تواجه تلك السلطة المتظاهرين العرب بالرصاص في نابلس العربية• وكيف تواجه المتظاهرين اليهود بالحوار ثم بالأيدي العارية في ميت ياميت قبل أن تستعيدها مصر• أصبح ممكنا لهذا المواطن أن يرى مباشرة أكثر من نموذج للصراع بين الدين والدولة وبين رجال الدين الإشكنازيم ورجال الدين السفارديم في إسرائيل ليست شيئاً خرافياً خاصة إذا ما قورنت بالسلع اليابانية أو الألمانية أو الأمريكية وجميعها متوافر في الأسواق العربية جميعاً• والأهم من ذلك كله أنه قد أصبح ممكنا لمواطننا أن يسقط بنفسه تلك الغلالة الأسطورية التي حرصت الدعايات الصهيونية على إضفائها على إضفائها على الفرد الإسرائيلي• ليكشف أن يهود إسرائيل لا يقضون ليلهم ونهارهم باكين على حائط المبكى• ولا مستعيدين لذكريات الهولوكوست وإن كان منهم من قد يفعل ذلك• لقد أصبح ممكنا باختصار أن تتحول صورة “الفرد الإسرائيلي الأسطوري “ إلى أفراد من البشر تختلف صورهم وتتباين بل وقد تتصارع أيضا•

سادساً :أتاحت كامب دافيد للجماهير العربية وللمرة الأولى منذ بداية الصراع إمكانية اللقاء بعرب الداخل أو عرب 1948 • وتحمل هذه الإمكانيات معان ثلاثة بالغة الخطر والدلالة فعلى الجانب الإسرائيلي تتأكد من جديد حقيقة أن الإنتماء العربي غير قابل للذوبان مهما طال الاحتلال العسكري وعلى الجانب العربي يتأكد من جديد إلى جانب هذه الحقيقة ان ثمة تجسيداً مادياً ملموساً لعروبة فلسطين المحتلة• أما على الجانب الفلسطيني فإن هذا اللقاء يتيح للمرة الأولي إمكانية التواصل البشرى بين عرب الداخل وبين الأمة العربية على أرضها وخارج حدود فلسطين المحتلة•

سابعا: أضافت كامب دافيد إمكانية موضوعية جديدة للتمايز بين “الإسرائيليين” و”اليهود” وخاصة يهود الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بالموقف من الصراع • لقد كان الحرص الصهيوني على إلغاء مثل هذا التمايز يجد سنده القوى في “تعرض الأمن الإسرائيلي للخطر” مشيرا إلى ما كان يسمعه العالم دائما في دوى لطبول الحرب العربية القادمة ذلك الدوى الذى كان له من الضجيج ما يكفل تغطية الاستعدادات الإسرائيلية التي لم تنقطع للحرب تلو الأخرى ضد العرب ولم تقتصر تلك الآفاق الجديدة للتمايز بين “الإسرائيليين” “اليهود” على مجرد تباين المواقف بدرجة أو بأخرى بين الفريقين • بل أن الأثر الأهم إنما يتمثل في رأينا في بداية تخلخل أسطورة اللوبي اليهودى، الذى يصنع السياسة الأمريكية • وانكشاف حقيقة أن ذلك اللوبي اليهودى إنما تصنعه وتحركه السياسة الأمريكية لخلق مبرر لتطابق سياستها مع السياسة الإسرائيلية دائما• فمن خلال تأكيد هذه الأسطورة تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية ان تمضى في تبنيها ورعايتها ودعمها لإسرائيل إلى أقصي مدى وتستطيع في نفس الوقت آن تيسر لمن شاء من العرب آن يبتلع هذه السياسة مستعينة بمقولة “أن الولايات المتحدة الأمريكية إنما تقدم على ما تقدم عليه تحت تأثير وضغط ذلك اللوبي اليهودى الرهيب • الذى يحول دون الولايات المتحدة والتعبير عن حبها غير المحدود للعرب وللعروبة وللدول العربية•

استراتيجية السلام الهجومي

تشهد الأمة العربية في الآونة الراهنة من الوقائع والأحداث ما يؤكد أن ثمة ضرورة ملحة لتبنى استراتيجية جديدة تتفق مع معطيات هذه المرحلة الجديدة من مراحل الصراع العربي الإسرائيلي مرحلة عصر ما بعد كامب دافيد وتشير هذه الوقائع والأحداث إلى أن كل شيء قد بلغ ذروته•

1- لقد أدى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء إلى زيادة حدة التناقض داخل صفوف التجمع الإسرائيلي• فتزايدت القوى الداعية للسلام تزايدا ملحوظاً وإن لم تصل إلى حد السيادة بطبيعة الحال• ومن ناحية أخرى فقد تزايدات حدة القوى الداعية للعنف تزايدا مخيفا• ووصل الأمر إلى ذروته بقوى العنف والسلام على حد سواء خلال الغزو الإسرائيلي الوحشي للبنان حيث بلغت قوى العنف ذروتها في مذابح معسكري صابرا وشاتيلا الفلسطينيين كما وصلت قمة الحركة السلامية الإسرائيلية ذروتها المظاهرات اليهودية الإسرائيلية التي اجتاحت إسرائيل والتي لم يشهدها تاريخ إسرائيل قبل ذلك قط حيث بلغ عدد المشاركين فيها ما يقرب من 530 ألف يهودي إسرائيلي أي حوالى عشر مجموع السكان•

2-إن الدعوة إلى ممارسة الحوار كجزء من استراتيجية السلام الهجومي والتي بدأتها مصر بزيارة السادات للقدس وصلت إلى ذروتها بلقائي أبو عمار – أفنيرى و أبو عمار – كابيلوك في بيروت المحاصرة• ومن ناحية أخرى فإن الدعوة المقابلة لرفض الحوار والتي بدأتها إسرائيل بإقامة دولتها 1948 قد بلغت ذروتها أيضا خلال ذلك الحصار بتمسك إسرائيل بموقفها من رفض أي حوار مع الفلسطينيين حتى ولو كان بهدف إخراجهم من لبنان• وإصرارهم على أن يتم ذلك التفاوض الضروري من خلال طرف ثالث بل وإدانتها لمن اقدم من الإسرائيليين و حتى من غير الإسرائيليين على اللقاء مع منظمة التحرير الفلسطينية بصرف النظر عن الهدف من هذا اللقاء•

3-إن التمايز بين “اليهود” و “الإسرائيليين” قد بلغ ذروته أيضا خلال الحصار الإسرائيلي لبيروت وتمثلت تلك الذروة، في ذلك النداء المفتوح الذي حمل توقيعات جولدمان وفرانس وكلوتزنبك والذي أدان بوضوح التصرفات العسكرية الإسرائيلية• والذي استجابت له منظمة التحرير الفلسطينية بالترحيب بل وبدعوة الموقعين الثلاثة إلى الالتقاء بقادة المنظمة، ومن ناحية أخرى فقد بلغ الخلط بين “اليهود” و “الإسرائيليين” ذروته أيضا متجسدة في الهجوم المسلح على معبد يهودي في روما (9/10/1982) راح ضحيته مجموعة من اليهود الاروربيين•
والسؤال الآن هو كيف يمكن أن تستثمر إيجابيات عصر ما بعد كامب دافيد في إدارة الصراع لصالحنا؟ • وهل من سبيل للحيلولة دون تحول كلمات النقد الثورية إلى طبول حرب جوفاء؟ وهل من سبيل للحيلولة دون تحول شعارات مناصرة الشعب الفلسطيني إلى شعارات معادية للسامية لا تخدم إلا العدوانية الإسرائيلية؟ هل من سبيل يكفل لنا سلامة التمييز بين الأعداء والأصدقاء؟ لقد انكشف عجز وعقم استراتيجية اللاحرب اللاسلم • وتجسد قصور استراتيجية السلام الدفاعي عن الاستثمار الكامل لإيجابيات العصر الجديد• وأصبحنا في حاجة ملحة لتبنى استراتيجية جديدة هي استراتيجية السلام الهجومي•

وتقوم هذه الاستراتيجية الجديدة على عدد من الأسس والمنطلقات النظرية نستطيع أن نوجزها فيما يلى:

1-الثقة بلا حدود في وعى وقدرة الجماهير العربية على تبين ما هو متفق مع مصالحها الأساسية• دون حاجه إلى وصابة نخبوية متعالية تدمغ الجماهير بالسذاجة والغفلة والوعي الزائف• وتدعى لنفسها حق احتكار معرفة وتحديد ما هو في صالح تلك الجماهير•

2- الثقة بلا حدود في أن الحق التاريخي والحقيقة العلمية في جانبنا نحن العرب ومن ثم فإن من حق جماهيرنا العربية أن تثق في نفسها وأن تقدم على ما تختار من ممارسات دون خوف أو وجل•

3- إن المناخ الأمثل لإزهار الممارسات العدوانية الإسرائيلية وسيادة المناخ العدواني داخل التجمع الإسرائيلي• هو ما تكفله سياسة اللاحرب • اللاسلم التي تهدد ولا تقاتل•

4- إن السلام لا يقل خطورة على الممارسة العدوانية الإسرائيلية عن الحرب• وكلاهما لا يحقق المصالح الاستراتيجية للقوى العظمى•

5-إن الاستقلالية النسبية لاتخاذ قرارات السلام تفوق نظيرتها بالنسبة لقرارات الحرب التي تخضع بدرجة كبيرة لإرادة القوى العظمى باعتبارها -على الأقل -المصدر الوحيد للأسلحة•

6-إن الحوار أيا كان نوعه لا يعنى بالضرورة اعترافا أو تسليما بالوضع الواهن للطرف الآخر بل يعنى على العكس سعيا لتغيير هذا الوضع•

7-إن الموضوع الأساسي المطروح حاليا• ولفترة طويلة قادمة -لأي حوار عربى إسرائيلي -هو “الشعب الفلسطيني”

8-إن الحوار باعتباره السلاح الرئيسي في استراتيجية السلام الهجومي ينبغي ألا يقل تقديرنا له عن تقديرنا لأي سلاح قتالي هجومي سواء من حيث انتقاء كوادره أو من حيث إعدادهم وتدريبهم•

9-إن استراتيجية السلام الهجومي لاينبغى أن تقتصر على جبهة المواجهة المصرية الإسرائيلية فحسب بل لابد لها وأن تنتشر بالحوار لتشمل المواجهة العربية الإسرائيلية على كافة جبهاتها•

ولعلنا نستطيع بعد ذلك أن نوجز بعض الخطوات التنفيذية التي نراها تكفل البداية الصحيحة لهذه الاستراتيجية:

اولاً: توفير أكبر قدر ممكن من المعرفة الموضوعية بمجريات الأمور على الجانب الإسرائيلي مع التركيز على الإذاعة والتليفزيون باعتبارهما الوسيلتين الأكثر انتشارا بين الجماهير•

ثانيا: تدعيم الحوار بشكل مكثف مع عرب 1948 والبحث في الشكل المؤسسي المناسب لضمان استمرارية وسيولة الاتصال بهم•

ثالثا: تشجيع الحوار العلني الإعلامي مع كافة القوى الإسرائيلية الاقل تشددا•

رابعاَ: إعداد كوادر مدربة للحوار الهجومي تزود بشكل مكثف ومستمر بأهم القضايا المطروحة على الساحة فضلا عن الاهتمام برفع كفاءتها فيما يتعلق بفنيات الحوار•

القاهرة في أكتوبر 1982

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *